السيد محمد تقي المدرسي
347
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ونقول : إذاً لماذا لم يفض أكثر من هذا ؟ ولماذا جعل أفضل رضوانه ونعمه في الجنة بعد ما شاء من السنين ؟ وملا صدرا يؤمن بتجديد الفيض واستمرار العطاء ، وماذا يعني التجدد غير انقطاع فيض معين قبل وبعد وقته المحدد ، وإذا جاز أن ينقطع الفيض المعين ، فلم لا يجوز انقطاع فيضه سابقاً قبل الإنشاء ، ولاحقاً بعد فناء الأشياء ، بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( ق / 15 ) دعنا نضرب مثلًا : إنه يقول : إن كل يوم خلق جديد ، ومن فيه وما فيه يخلقون من جديد . دعنا إذاً نتساءل : هل كان بإمكان الله أن يخلق هذا اليوم بمن فيه وما فيه منذ الأزل أم لا ؟ وأساساً هل كان يريد ذلك أم لا ؟ فإن قلتم : إن إرادته لم تكن قديمة ، فكيف تغير ذاته ؟ وإن قلتم : إن إرادته قديمة ، فكيف تخلفت إرادته عن الفعل ؟ وبتعبير آخر كيف سُلبت قدرته منه ؟ فقد أراد ولم يُحدث ما أراد ، وكلما تتصورون جواباً على هذا الاعتراض هو بالذات جوابنا على اعتراضكم السابق ، كيف يكون الله ولا يكون معه مخلوق . وفي الواقع تغير الأشياء من حال إلى حال ، وتنوعها وتحديدها بالمكان والزمان أقوى شاهد على إنها مخلوقة ، وأن خالقها أجل وأعظم من التحول والتغيير ، وأنه تعالى عن العجز والنقص . يقول الحديث الشريف المأثور عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده . . مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه " « 1 » .
--> ( 1 ) ( ) نهج البلاغة .